السبت، 19 ديسمبر 2009

ملكية الأراضي في قضاء طولكرم في ظل الحكم البريطاني(1918م-1948م)

الملخص

أصل التسمية (طوركرم) من جبل الكرم، وقد ظل البلدة تعرف بهذا الاسم حتى القرن الثامن عشر، وحرّف إلى طولكرم، يقع هذا الجبل في الجزء الشرقي من منتصف السهل الساحلي على بعد 17 كم من شاطئ البحر.

يحد قضاء طولكرم من الشمال قضاء حيفا وجنين ومن الشرق قضاء نابلس وجنين ومن الجنوب قضاءا رام الله ويافا ومن الغرب البحر الأبيض المتوسط. وهو قضاء أحدثه العثمانيون عام 1892م، دعي باسم قضاء بني صعب، نسبة إلى قبيلة بني صعب التي نزلت هذه الديار في عهد صلاح الدين. ونظراً لوجود السهل الساحلي الخصيب من الجهة الغربية الذي تميز بخصوبة الأراضي ووفرة المياه، أعطى هذا الموقع أهمية تجارية وعسكرية، مما ساعد على نمو القضاء وتطوره خلال فترة بسيطة.

بلغت مساحة قضاء طولكرم خلال عهد الانتداب البريطاني 835.61 كم2، منها 16 كم2 للطرق والوديان والسكك الحديدية، 141.3 كم2 تسربت لليهود أي بنسبة 17% من مجموع مساحة القضاء، وبعد النكبة بلغت مساحة هذا القضاء 333 كم2.

أما عدد سكان القضاء فقد بلغت حسب إحصاءات الحكومة البريطانية، عام 1922م 34.972 نسمة، وفي إحصاءات عام 1931م بلغ 47413 نسمة، وقدر عام 1945م بنحو 140.000 نسمة.

قسم قانون الأراضي العثماني لعام 1858م الأراضي في الدولة العثمانية على الوجه الأتي:

1-الأراضي المملوكة: وتشمل الأراضي التي يمتلكها أفراد أو جماعات، ومن حقهم التصرف بها بحرية، كما من حقهم توريثها ووقفها.

2-الأراضي المتروكة: وتقسم إلى أراض محمية لا يجوز تملكها مثل الطرق العامة، وأراضي مباحة، وهي مخصصة لمجموع أهالي إحدى القرى، وقد فصّل القانون طرق استعمالها. 3-أراضي الموات: وهي الخالية والبعيدة، وكان من الممكن أن تمنحها الدولة للأفراد شرط استثمارها. 4-الأراضي الموقوفة: وتتوزع على أوقاف عامة أوقفتها الدولة للإنفاق على المؤسسات الدينية. وأوقاف ذاتية يوقفها أصحابها للإنفاق من ريعها على الفقراء أو ذريتهم. 5-الأراضي الأميرية: التي تعود رقبتها إلى الدولة، وتشمل المراعي والغابات، ومن الممكن أن تنتقل إلى ملكية الأفراد والجماعات إما عن طريق الهبة أو الشراء. 6-أراضي المشاع: وهي الأراضي ذات الملكية الجماعية أو المتروكة للرعي أو الاحراج وما إلى ذلك، وتعود رقبتها لبيت المال، في حين سُمح بحق الانتفاع للجميع دون تمييز. ركز اليهود جل اهتمامهم منذ البداية على موضوع امتلاك الأرض بغية إعداد الأرضية لتنفيذ مشروعهم الذي يقضي بإقامة الدولة اليهودية على أرض فلسطين. ومن اجل هذا استعملت كل الوسائل والأساليب، أما بداية حركة الاستيطان المنظمة فقد بدأت في النصف الثاني من القرن التاسع عشر في أراضي هذا القضاء. وبعد سنة 1878م بفترة قصيرة أوفد اليهود المبعوثين إلى فلسطين بهدف الشراء وامتلاك الأرض حيث وجد هؤلاء الفرصة سانحة لهم، لأن في تلك الفترة قد نشأت في فلسطين طبقة جديدة من كبار الملاكين غالبيتهم من سكان المدن أو سكان مناطق عربية أخرى مثل مصر وسوريا ولبنان وغيرها، وقد زادت أملاك هذه الطبقة نتيجة حالة الفقر التي كان يعيشها الفلاحون، والذين كانوا يضطرون بسبب عجزهم عن إعالة عائلاتهم الحصول على القروض من كبار الملاكين وبفوائد عالية. ونتيجة تراكم الديون التي لم يتمكنوا من تسديدها كانوا يضطرون إلى تسليم أراضيهم مقابل هذه الديون، وبهذه الطريقة تمكنت طبقة كبار الملاكين من السيطرة وامتلاك غالبية الأرض والتي كانت تصل في مجموعها إلى كامل أراضي بعض البلدات أو القرى أحياناً. وساهمت العلاقات الطيبة بين طبقة كبار الملاكين والسلطات في إزالة كل العوائق أمام نقل ملكية أراضي الفلاحين إلى طبقة كبار الملاك. وجد المبعوثين اليهود إلى فلسطين حماساً لدى كبار الملاكين لبيع أراضيهم لليهود، الذين تطلعوا فقط إلى الأرباح. وكان هؤلاء يلتقون مع المبعوثين اليهود، وتتم صفقات بيع الأرض شرط الحفاظ على سريتها، ليتسنى لهم الظهور بمظهر الحريص على المصلحة الوطنية، ودعوة الجماهير الفلسطينية لتحدي ومواجهة المطامع الصهيونية، وكانت بداية تملك اليهود للأراضي الفلسطينية قد ظهرت بشكل رئيس في منطقة الساحل الفلسطيني. اتبع اليهود أساليب متنوعة لشراء الأراضي العربية، حيث أنشأت لذلك أجهزة وصناديق ومؤسسات صهيونية عديدة، منها: البيكا (الجمعية اليهودية للاستعمار) التي تأسست عام 1883م، والكارن كايمت (الصندوق القومي اليهودي) التي تأسست عام 1901م، والكارن هايسود (الصندوق التأسيسي لفلسطين) التي تأسست عام 1920م، والهستدروت (الاتحاد العام للعمال اليهود في فلسطين) التي تأسست عام 1920م، وغيرها من الأدوات التي كُلفت بمتابعة عملية شراء الأراضي العربية. استشعرت الحركة الوطنية الخطر الناجم عن بيع الأرض لليهود بشكل واضح، وكذلك ساهمت الصحف العربية في إبراز هذا الخطر وتهديده للوجود الفلسطيني ومستقبله على أرضه. لقد بذلت الحركة الوطنية الفلسطينية جهوداً كبيرة في إبراز خطورة انتقال الأرض إلى اليهود وذلك من خلال خطوات متعددة هي: 1-الإعلان في الصحف عن السماسرة والبائعين والمشترين، بهدف التشهير بهم، والضغط عليهم لدفعهم عن هذا الفعل. 2-الدعوة ضد هذه الجريمة في المساجد والكنائس، حيث قام خطباء المساجد بشن حملة على السماسرة وبائعي الأراضي ووصفوهم بالخونة لامتهم ويستحقون المقاطعة. 3-رحلات العلماء والمشايخ في قرى فلسطين، وقد اهتم بذلك المجلس الإسلامي الأعلى، وبذل في سبيل وقف انتقال الأراضي جهداً كبيراً، من هنا تحرك علماء فلسطين بإيعاز من المجلس في رحلات كانت تجوب القرى تحذر من التفريط بالأرض لليهود. 4-إنشاء صناديق وشركات لشراء الأراضي العربية، منها: صندوق الأمة الذي أنشئ على أساس التبرعات لشراء الأراضي المعروضة للبيع، والشركة العربية لإنقاذ الأراضي التي تأسست عام 1932م بهدف شراء الأراضي واستثمارها. 5-الاجتماعات والمؤتمرات، وقد لعب المجلس الإسلامي الأعلى في هذا الجانب دوراً ملحوظاً، وقد نتج عن هذا الدور العديد من المؤتمرات التي عقدت على الأراضي الفلسطينية. وقد استطاعت هذه المؤتمرات أن تحقق نتائج ايجابية في تقوية مواقف الناس عامة للإحجام عن بيع الأراضي لليهود ومقاومة انتقالها لهم، ومن هذه المؤتمرات مؤتمر علماء المسلمين. أما نشاط الحركة الوطنية في مقاومة بيع الأراضي، فقد أعطى ثماراً كبيرة قياساً على شراسة الهجمة الصهيونية بأدواتها المتعددة وإغراءاتها المادية الكبيرة، وفي ضوء الأزمات الاقتصادية المتلاحقة التي عاناها الشعب الفلسطيني والفقر المدقع الذي لازم الوطن، ناهيك عن سياسة الحكومة البريطانية والتي استهدفت وضع البلاد في ظروف تضمن إنشاء الوطن القومي اليهودي.

النص الكامل

بلدية سلفيت ودورها الإداري والعمراني والاقتصادي والاجتماعي 1945-2005 م

الملخص

أنشئت بلدية سلفيت في عام 1882م، وتم حلها عام 1927م، ونتيجة فقدان الوثائق لم نستطع توثيق هذه المرحلة الهامة في تاريخ سلفيت. وتم إعادة انشاء المجلس القروي في العام 1945م، ليتحول فيما بعد إلى مجلس محلي، ومن ثم إلى مجلس بلدي في العام 1954 م.

كان للبلدية دور كبير ومهم في حركة العمران داخل المدينة، حيث أشرفت على تنظيم المدينة، وعلى نظافتها ومراقبة أسواقها وتزويدها بشبكة المياه، وتنظيم توزيعها، وتطويرها وأنشأت محطة الكهرباء، واهتمت بالشوارع وفتحها وتحسينها وجعلها تتلاءم مع تطور المدينة من الناحية السكانية والعمرانية. وقامت بالعناية بالتعليم، فأنشأت المدارس، وأهتمت بالمرافق العامة، وساهمت في فتح العديد من الدوائر الهامة تسهيلا على المواطنين.

فعلى مدار أكثر من نصف قرن، شهدت مدينة سلفيت تطوراً ملحوظاً في المجالات الخدماتية والصحية والتعليمية رغم الظروف الصعبة التي مرت بها بلديتها من تقلبات سياسية وولاءات إدارية جعلتها في كثير من الأحيان تقف حائرة ما بين الولاء الإداري والرغبة العامة للمواطنين.

وشهدت بلدية سلفيت تقلبات على أعضائها والرؤساء الذين أداروها خلال مراحل تطورها، مما جعل لكل مرحلة طريقة خاصة في إدارة البلدية وسبل توفير الدعم المالي لمشاريعها المختلفة والحيوية ونتيجة للتقلبات الإدارية بحكم الظرف السياسي وقفت البلدية في كثير من الأوقات مواقف سياسية إما موالية للإدارة المركزية المسؤولة عنها، وإما معارضة لها بحكم الظرف العام. وأثرت العلاقة بين أعضاء المجلس البلدي في فتراته الممتدة من عام 1945 – 2005 م على أداء المجلس الإداري والخدماتي فتم رصد هذه العلاقات ومدى تأثيرها في تحقيق الإنجازات والمشاريع.

اعتمدت بلدية سلفيت في تسيير شؤونها الداخلية على قانون البلديات الأردني الصادر عام 1959م لضبط علاقاتها وارتباطاتها مع أي مؤسسة كانت، ووفرت الدعم المالي من الهبات والقروض والرسوم والضرائب وقانون الانتخابات والترشيح والموظفين. ونستطيع القول إن بلدية سلفيت حققت وخلال هذه الفترة إنجازات كبيرة، ومشاريع هامة، مكنتها من إقامة بنية تحتية قوية جعلتها من المدن المتميزة في تقديم الخدمات للمواطنين. كما أن مشروع الصرف الصحي يعتبر من أهم المشاريع التي حققتها بلدية سلفيت، إضافة إلى مشروع المنطقة الصناعية، والعديد من المشاريع الهامة الاخرى.

من خلال هذه الدراسة يمكن ايجاز ما يلي:

1- استطاعت بلدية سلفيت أن تنجز العديد من المشاريع التي ساهمت في تنمية البلدة وتقدمها، فغدت سلفيت مدينة نموذجية من خلال المشاريع المنجزة كالشوارع، والكهرباء، وشبكة المياه، وفتح الدوائر، والمؤسسات العامة والخاصة والحكومية والتي سهلت على المواطنين سبل الحياة داخل المدينة.

2- الانسجام والتفاهم، أو الخلاف والاختلاف في وجهات النظر بين أعضاء المجلس البلدي خلال سنوات الخدمة في المجلس لم تؤثر سلبا على تحقيق مشاريع ومخططات البلدية لصالح المدينة.

3- شكلت البلدية الجهة الأولى التي مثَلت المدينة في كل المجالات الرسمية والشعبية، حيث مثلت المدينة من الناحية الاجتماعية, والقانونية, والاقتصادية, والسياسية وكانت وما زالت الجهة التي تمثل آفاق تقدم المدينة.

4- استطاعت البلدية أن تنسج علاقات طيبة مع العديد من الجهات والمؤسسات التي موًلت المشاريع ومخططات البلدية،واستطاعت كذلك أن تكسب ثقة المؤسسات من طريقة أدائها وإنجاز مشاريعها بصدق وأمانة.

5- تطورت طريقة العمل الداخلية في البلدية على كافة الأصعدة الإدارية والمالية، وتم تنظيم العلاقة بين الدوائر العديدة بسهولة ويسر، كما وتم تنسيق العلاقة بين المجلس ودوائره مما ساهم في دينامية النشاط واتخاذ القرار.

النص الكامل

دراسة في ميثولوجيا الخلق لدى المؤرخين المسلمين حتى القرن الرابع الهجري

تناولت الدراسة رؤية أربعة مؤرخين عاشوا حتى القرن الرابع الهجري لموضوع الخلق، وهم: ابن قتيبة أبو عبد الله محمد بن قتيبة الدينوري (ت276هـ/889م)، والطبري أبو جعفر محمد بن جرير بن كثير (ت310هـ/922م). والمسعودي أبو الحسن علي بن الحسين بن علي (ت346هـ/957م)، والمقدسي المطهر بن طاهر (ت355هـ/965م).

استعرض الطبري، والمسعودي، والمقدسي كيفية خلق السماء فأجمعوا على أنها خلقت بوساطة الدُخان الذي أخرجه الله من الماء مكوناً إياها وهو اجماعٌ استند إلى القرآن الكريم والمفسرين المسلمين، حيث يظهر تبني المؤرخين المسلمين الرؤية الدينية ولكن يبدو أن بعض الأديان القديمة كان لها رؤية أخرى حينما أدعت أن السماء خلقت عندما امتطى أحد الآلهة ظهر بقرة وارتفعت لتصبح سماء.

صور الطبري والمسعودي السماء بأنها دخان أبيض انتشر في الهواء أما المقدسي فقد صورها على هيئة قبة.

بينما جاءت الأساطير الدينية القديمة برؤية بعيدة عن المؤرخين المسلمين فقد صورتها الأسطورة المصرية كبقرة كبيرة، أما السومرية فقد اتفقت مع ما أورده المقدسي واعتبرتها سطحاً صلباً على شكل قبة من قصدير، أما الزرادشتية فقد صورتها على شكل بيضة من معدن براق.

وأكد الطبري والمسعودي أن الله زين كل سماء بالكواكب والنجوم استناداً إلى قوله تعالى )وزينا السماء الدنيا بمصابيح(([1]) ، في حين أورد المقدسي أن النجوم عبارة عن صفائح تأخذ ضوءها من الشمس، بينما اتفقت الأساطير القديمة "الزرادشتية، والسومرية، والمصرية" على أن الآلهة هي المسؤولة عن خلق النجوم ونثرها.

وأضاف الطبري أن الشمس خلقت من نور العرش بينما أورد المقدسي أنها من النور والنار، وهذه تعتبر رؤية فلسفية لموضوع الخلق في حين أوردت الأسطورة الزرادشتية أن الشمس استمدت نورها من نور امزدا المتلألئ، أما الأسطورة المصرية فذكرت أن الشمس خلقت من زهرة اللوتس، وأشارت السومرية إلى أنها خلقت من التزاوج بين الآلهة.

صور الطبري الشمس على هيئة عجلة خلقت من نور الكرسي، والقمر على هيئة عجلة من نور العرش، بينما صورتها الأسطورة الزرادشتية على هيئة بيضة ذهبية، والأسطورة السومرية على هيئة ثعبان، وقيل عجل، أما الأسطورة المصرية فقد صورتها على هيئة طفل يضع أصبعه في فمه.

أكد الطبري والمسعودي على أن الله خلق الماء ومن ثم وضع العرش عليه استناداً إلى آيات وردت في القرآن، بينما أورد المقدسي أن العرش خلق من ياقوت، في حين أورد أهل الحديث وأهل التفسير أن العرش من نور.

أشار المقدسي والطبري أن الملائكة خلقت من نور وهذه الإشارة تتفق مع ما أوردته الأحاديث النبوية والتوراة.

أكد المؤرخون على أهمية الماء في عملية الخلق، فذكر ابن قتيبة أن الأرض خلقت عندما تجمع الماء الذي تحت اليابسة مع بعضه البعضاً. أما المقدسي فذكر أن الأرض خلقت من عنصرين رئيسيين هما الريح والماء، وهذا ما جاء مؤكداً في القرآن وعند المفسرين المسلمين.

صور المسعودي الأرض على هيئة طائر، في حين صورها المقدسي بأنها مستوية السطح من كل الجهات، والأسطورة الزرادشتية على شكل بيضة والسومرية على هيئة قرص مدور.

وأجمع ابن قتيبة والطبري والمسعودي أن الله هو خالق النباتات اجماعاً استند إلى قوله تعالى )إن الله فالق الحب والنوى الذي يخرج الحي من الميت ومخرج الميت من الحي ذلكم الله فأنى تؤفكون(([2]) وهذا المعنى جاء مؤكداً في التوراة.

واختلف المؤرخون المسلمون الأربعة في موضوع خلق إبليس حيث اعتبره ابن قتيبة والطبري كائناً حياً من الملائكة يقال لهم الجن، بينما رأى المسعودي والمقدسي على أن إبليس كان من قبائل الجان اجماع مستندين إلى آيات في القرآن الكريم.

واجمع المؤرخون الأربعة على أن آدم خلق من أديم الأرض استناداً إلى قوله تعالى )الذي أحسن كل شيء خلقه وبدأ خلق الإنسان من طين(([3]) وهذه الرؤية جاءت مؤكدة في التوراة واتفقت مع الأساطير الدينية القديمة.

ووصف الطبري والمسعودي والمقدسي عملية خلق آدم فذكروا أن تربته جبلت بماء حتى صار طيناً يابساً، بينما ذكرت التوراة أنه جُبل بماء الجنة. بينما اتفق المؤرخون مع التوراة في عملية الخلق، ولكن يبدو أن الأساطير الدينية اختلفت معهم فذكرت الأسطورة الزرادشتية أن عملية الخلق لديهم تتم بأطراف أنامل براهما، وأوردت الأساطير أن العملية تتم لديهم بوضع إلاله أتوم كمية من التراب بين أسنانه فيعطس ليخرج البشر إلى الحياة.

صور ابن قتيبة والطبري والمقدسي هيئة آدم فأشاروا إلى أنه كان أمردَ طويلاً، وأشار الطبري إلى أن الله علمه الأسماء كلها إشارة مستمدة من القرآن الكريم، ومتفقة مع أهل التفسير والحديث.

وأجمع المؤرخون المسلمون الأربعة أن إبليس هو أساس عملية الإغواء التي كان من نتائجها هبوط آدم وحواء إلى الأرض، حيث نزل آدم بشرقي الهند وحواء في جدة.

وأشار الطبري إلى أن أول لباس لبسه آدم وحواء كان من جلود الضأن والسباع، وذكر ابن قتيبة أن أول عمل عملته حواء هو غزل الشعر وحياكته، أما الطبري فيقول أن أول عمل قام به آدم هو حرث الأرض ونثر الحبوب.

وأن من الأحداث الهامة التي حدثت بعد هبوطهما الأرض قصة قابيل وهابيل التي استند الطبري في شرح بعض تفاصيلها إلى آيات في القرآن الكريم.

وأورد ابن قتيبة والطبري أن حواء ولدت لآدم أربعين ولداً في عشرين بطناً وقيل مائة وعشرين.

وأورد ابن قتيبة أن شيثاً كان أجمل ولد لآدم وأشبههم بأبيه وولي عهده وهو الذي ولد البشر جميعاً وإليه انتهت الأنساب.


النص الكامل

ولاية العهد في العصر الأموي (41هـ/661م-132هـ/750م)

الملخص

تتناول هذه الدراسة موضوع ولاية العهد في الفترة الأموية والجهود التي بذلها الأمويون من اجل الوصول إلى طريقة تنتقل من خلالها السلطة من خليفة إلى آخر بصورة سلمية، في ظل عدم وجود دستور واضح لنقل السلطة في الفترة التي سبقت خلافة الأمويين، والتي شهدت أحداث الفتنة الأولى ومقتل الخليفة عثمان (ت35هـ-655م)، وما تلاها من اختلاف على اختيار الخليفة، وعدم حصول إجماع على خلافة علي (ت40هـ-660م)، إضافة إلى المساعي التي بذلها الأمويون من اجل إيجاد دولة أموية الطابع لا ينازعهم فيها أحد.

وقد تعرضت الدراسة للنمط النبوي في الحكم والذي استمد شرعيته من الوحي والبيعة، وتناولت موضوع الخلافة من حيث معناها اللغوي والاصطلاحي، وفي القرآن الكريم، ودلالة هذا المفهوم والذي عنى حينا النيابة عن الله وحينا آخر النيابة عن رسول الله (ص)، كما تطرقت إلى نظام الحكم زمن الراشدين، وكيف اختلفت الأنماط التي تولى من خلالها الراشدون الخلافة، حيث أسفرت نقاشات السقيفة عن اختيار أبى بكر (ت13هـ-634م) لتولي الخلافة، في حين وصل عمر (ت23هـ-643م) إلى الخلافة بناءً على تعيين أبو بكر له، وتولى عثمان الخلافة بعد أن اختير من قبل مجلس الشورى الذي عينه عمر لهذه الغاية ووضع لهم آلية الاختيار، في حين وصل علي إلى الخلافة نتيجة للاختيار الذي تم في ظروف خاصة أملتها أحداث الفتنة، ومن ثم فقد الإجماع على بيعته بعد أن ادعى معاوية أحقيته بالخلافة والمطالبة بدم عثمان، وصولا إلى مقتل علي وتنازل الحسن عن الخلافة لمعاوية وبداية الحكم الأموي.

وتم التطرق إلى مفهوم الولاية والعهد في اللغة والاصطلاح، والى الغايات التي من اجلها أوجد الأمويون نظام ولاية العهد، إضافة إلى أهم الشروط التي توخاها الأمويون في أولياء عهدهم، وأبرزت الجهود التي بذلها معاوية ابن أبي سفيان (ت60هـ-679م) من اجل اخذ البيعة لابنه يزيد (ت64هـ-683م) من بعده، والعقبات التي سعى لتذليلها من اجل إتمام هذا الأمر، حيث شكلت الحجاز موطن المعارضة الرئيسي لهذه الفكرة، لان الحجازيين كانوا لا يرغبون في انتقال مركز السلطة من بلادهم، ويسعون إلى الحفاظ على الدور السياسي للحجاز والذي تراجع مع انتقال الخلافة إلى دمشق. وقد شكل نجاح معاوية بن أبي سفيان في اخذ البيعة لابنه يزيد بولاية العهد بداية لتوارث السلطة عند الأمويين من خلال البيت السفياني أولا والذي انتهى دوره السياسي بتنازل معاوية الثاني عن الخلافة وانتقالها إلى البيت المرواني.

وقد سعى المروانيون للحفاظ على حكمهم من خلال تكريس نظام ولاية العهد بحيث اصبح الخليفة يعين شخصين كأولياء للعهد وفي الغالب كانوا يلجأون إلى عزل إخوانهم من ولاية العهد من اجل تعيين أبنائهم، وهذا فتح المجال للتنافس والصراع على السلطة داخل الأسرة الواحدة، حيث انشغل الأمويون بخلافاتهم الداخلية، مما أدى إلى تراجع مكانة الدولة وضعفها.

وأوضحت الدراسة موقف الحركات الإسلامية المعارضة من ولاية العهد، حيث رصدت موقف كل من الشيعة والخوارج والمعتزلة من الحكم الأموي أولا ومن ولاية العهد ثانيا. فقد اعتبر الشيعة أن الإمامة منصب الهي لا يتم باختيار الناس، واعتبروها وراثة للنبوة، وان النبي (ص) قد نص على إمامة علي بن أبي طالب من بعده، وعلى هذا الأساس اعتبر الشيعة خلافة بني أمية غير شرعية، ورفضوا فكرة ولاية العهد التي جاء بها الأمويون، ولهذا خرجوا عليهم في العديد من الثورات التي استهدفت مؤسسة ونظام الحكم.

ودعا الخوارج الى اختيار الإمام اختيارا حرا، ولم يشترطوا فيه أن يكون قرشيا بل أجازوا أن يكون عربيا أو أعجميا، وبالتالي فقد وسعوا من دائرة الإمامة لتشمل كل المسلمين من كل الأعراق والأجناس، واعتبروا نظام ولاية العهد نظاما غير شرعي، ونظروا للأمويين كمغتصبين للسلطة، ولذلك ثار الخوارج على الأمويين وخاضوا معهم الكثير من المعارك.

وأجاز المعتزلة الإمامة لكل من قام بالكتاب والسنة وقالوا بوجوبها، واعتبروا خلافة بني أمية غير شرعية لاغتصاب الأمويين للسلطة، ورفضوا فكرة ولاية العهد لأنها تتعارض مع طريق الشورى والاختيار التي دعوا اليها.

وتم استعراض مواقف علماء الأمة من ولاية العهد، وكيف عكست الأوضاع السياسية نفسها على مواقف هؤلاء العلماء، وقد بدى التباين واضحا في هذه المواقف سواءً داخل المصر الواحد أو بين الأمصار الإسلامية المختلفة، حيث أيدت مجموعة من هؤلاء العلماء نظام الحكم الأموي ونظام ولاية العهد، في حين عارضت مجموعة أخرى نظام ولاية العهد ورفضت أن تبايع لأولياء العهد، ومالت مجموعة ثالثة إلى المهادنة والدعوة للحفاظ على وحدة الأ

النص الكامل

الإمامة عند علي بن الحسين المسعودي (ت346هـ/957م)

تناولت الدراسة رؤية المسعودي لمؤسسة الإمامة، وقدمت قراءة تاريخية لتطورها منذ خلافة أبي بكر الصديق (11هـ/632م) وحتى عصر الخليفة المطيع لله العباسي (346هـ/957م)، وهدفت إلى استنطاق نصوص المسعودي وميوله من خلال تحليل كتابيه مروج الذهب ومعادن الجوهر والتنبيه والأشراف.

والمسعودي هو أبو الحسن علي بن الحسين بن علي بن عبد الله بن مسعود، وولد في منطقة بابل من العراق سنة (287هـ/900م)، وجمعت دراسته الثقافية بين التاريخ والجغرافيا معتمداً على الرحلات والسفر، وتظهر ميوله الشيعية بشكل واضح في رواياته، وتوفي في الفسطاط سنة (346هـ/957م) بمصر.

واعتمد المسعودي في منهجه لكتابه التاريخ طريقة التقسيم حسب الموضوعات فلم يتبع أسلوب التأريخ الحولي، وضمت مؤلفاته المواضيع التاريخية والجغرافية والدينية والفقهية والسياسة واهتمت بقضية الإمامة وموقف الفرق والملل الإسلامية منها.

وضح المسعودي مفهوم الإمامة بأنها المنصب السياسي الذي يتولى بموجبه الإمام أمور المسلمين الدينية والدنيوية، بعد وفاة الرسول (ص)، وعلى الأمة تقديم الطاعة له، وتبنى الرؤيا الشيعية لمفهوم الإمامة في التأكيد على فكرة النص والوصية لخلافة علي بن أبي طالب، وميزت الشيعة الإمام بهذا اللقب لما له من فعالية دينية تمنحه العصمة والشرعية.

وأكد على رفض أبي بكر لمصطلح خليفة الله موضحاً بأنه خليفة رسول الله مشيراً إلى بداية استعمال لقب أمير المؤمنين في وثائق وكتابات الخليفة عمر بن الخطاب بدلاً من لقب خليفة رسول الله مؤكداً في الوقت نفسه على الواجبات الدينية والسياسية لهذا المنصب.

ووضح المسعودي موقفه من قضية ازدواجية الأئمة فأكد على رفضه لبيعة إمامين واستدل على ذلك من أحاديث الرسول (ص) التي تدعو إلى قتل الفئة المنازعة للإمام.

وعرض المسعودي موقف الفرق والأحزاب من مؤسسة الخلافة، واتضحت نظرته من خلال تبنيه الرؤيا الشيعية في إمامة علي، كما أكد على رؤية المرجئة في خلافة قريش، واعترض على موقف الخوارج في نظرتهم للخلافة والتي رفضوا من خلالها حصر الخلافة في قريش وحدها.

وعرف المسعودي البيعة بأنها السمع والطاعة في اليسر والعسر للإمام على أن يسوسهم بكتاب الله وسنة رسوله، وأشار إلى أشكال البيعة وتطورها التاريخي وحددها في بيعتان البيعة الخاصة وهي بيعة أهل الحل والعقد والبيعة العامة وهي بيعة الأمة جمعاء، وأكد على التطور الذي طرأ على تقاليد ومراسيم البيعة فقد كانت تؤخذ من أهل المدينة فقط خلال العهد الراشدي، ومنذ تسلم الأمويين السلطة أصبحت بيعة الجماعة تشمل كافة الأمصار الإسلامية.

وظهر موقف الأمصار من بيعة الخليفة في العهد الأموي من خلال رفض أهلُ مكة والمدينة والعراق البيعة للأمويين، كما رفض أهل الشام تقديم البيعة للعباسيين.

ورفض المسعودي الفكرة الأموية التي استحدث فيها معاوية نظام ولاية العهد كدستور ثابت في مؤسسة الخلافة، وأصبح العهد الطريقة المتبعة لنقل السلطة بصورة سلمية خلال الفترة الأموية والعباسية فيما بعد.

واتضح من خلال الدراسة موقف المسعودي من قضية مجلس الشورى حيث أشار إلى رغبة عمر بن الخطاب في استخلاف عثمان مؤكداً على دور عبد الرحمن بن عوف في إخراج نفسه من المنافسة لحسم الأمر لصالح عثمان، وأكد أن الأمر مجرد مؤامرة تم من خلالها استبعاد علي وتجاوز حقه وإنكار دور آل البيت في قيادة الأمة.

وعرض المسعودي صفات الإمام والمتمثلة في العصمة والإيمان والعلم والفقه والشجاعة والكرم، إضافة إلى النسب القرشي، مؤكداً على صفات علي بن أبي طالب التي تؤهله للخلافة، كما أشار إلى واجبات الإمام في تطبيق أحكام الدين وحماية المسلمين وجباية الخراج وتوزيع الفيء والإشراف على بيت مال المسلمين والنظر في المظالم.

وركز المسعودي على مفهوم الفتنة التاريخي موضحاً بأنها المحنة التي تمر بها الأمة الإسلامية خلال صراعها على السلطة فتنة عثمان (35هـ/655م)، فتنة الجمل (36هـ/656م)، فتنة صفين (37هـ/657م-40هـ/660م)، فتنة الأمين والمأمون (194هـ/810م-198هـ/814م).

وقف المسعودي إلى جانب حركات الشيعة التي خرجت ضد الأمويين والعباسيين مطالبةً لحقها الشرعي في الخلافة، ومؤكداً على وراثة الخلافة بعد علي، ودان الأساليب التي اتبعتها السلطة في قمع المعارضة مشيراً إلى حق العلويين والطالبين في الخلافة فأكد على شرعية خروجهم ضد الدولة العباسية، كما أشار إلى ظلم الأمويين وتنكيلهم بعلماء المعتزلة، مشيداً بموقف الخليفة عمر بن عبد العزيز والخليفة المأمون على العلاقة الودية التي ارتسمت في عهدهم مع المعتزلة.

واتضح موقف المسعودي من تفاصيل الصراع على الإمامة، مؤكداً على براءة علي من دم الخليفة عثمان مبرزاً دوره في الدفاع عنه خلال حصاره وإرسال ابنيه (الحسن والحسين) لحمايته، كما دان معسكر ثالوث الجمل (عائشة، طلحة، الزبير) لخروجهم على الإمام الشرعي (علي) موضحاً موقف علي الرافض للحرب وأشار إلى اعترافهم بخطئهم في الخروج.

وتناول أبعاد الصراع بين علي ومعاوية بن أبي سفيان واستعرض مضمونه وتطورات المواجهة في صفين وحمّل معاوية المسئولية المباشرة عن الدماء التي أزهقت فيها، في الوقت الذي أشاد بموقف الحسن بن علي السلمي لتنازله عن الخلافة حقناً لدماء المسلمين، ودان موقف الخوارج في الفتنة وحملهم مسئولية مقتل الخليفة علي.

وانتقد السياسة الأموية التي اتبعتها لقمع حركة عبد الله بن الزبير خلال صراعه مع السلطة الأموية (63هـ/682م)، مؤكداً على انتهاك الأمويين للبيت الحرام خلال حصارهم له.

وأكد المسعودي على تسلم العباسيين للسلطة بعد نجاح الدعوة التي نُشرت مبادئها في خراسان والعراق إضافة إلى تحقيق الانتصارات على الأمويين وملاحقتهم في الشام والعراق.

وأكد على شرعية خلافة المأمون العباسي، وحمل الخليفة الأمين مسئولية النزاع لأنه نكث العهد والمواثيق مع أخيه المأمون خلال عزمه على خلعه من ولاية العهد وهو ما يفسر وقوف المسعودي إلى جانب المأمون في أحداث النزاع.

النص الكامل

دولة بنـي مـريـن تاريخها، وسياستها تجاه مملكة غرناطة الأندلسية والممالك النصرانية في إسبانيا (668-869هـ/1269-1465م)

الـملـخص

تعد قبيلة بني مرين الزناتية البربرية نموذجاً للقبيلة البدوية التي استطاعت بفضل جهود قادتها وعلى مدار ما يقارب من ستين عاماً من الكفاح أن تفرض واقعاً سياسياً وقبلياً جديداً في بلاد المغرب الأقصى ، على حساب نفوذ دولة الموحدين (524-668هـ/1130-1269م) الذي بدأ يتلاشى تدريجياً منذ هزيمتها في معركة العقاب في الأندلس سنة 609هـ/1212م أمام الممالك النصرانية الإسبانية .

استغل المرينيون الظروف السياسية والاقتصادية السيئة التي عاشتها دولة الموحدين منذ مطلع القرن السابع الهجري (الثالث عشر الميلادي) ، حين بدأ الصراع على السلطة وأصبح الخلفاء ألعوبة بيد الوزراء مما أدى إلى إضعاف الدولة وتعرض أمنها الخارجي للخطر ، وبروز حركات التمرد والنزعات الاستقلالية داخل الدولة ، مما أدى إلى انفصال الحفصيين في تونس سنة 627هـ/1230م ، وبني زيان في تلمسان سنة 633هـ/1235م وبني الأحمر في غرناطة سنة 635هـ/1237م ، ففقدت الدولة معظم أملاكها في المغرب والأندلس ، في حين كان المرينيون يمهدون الطريق نحو إقامة دولتهم .

دخل المرينيون المغرب الأقصى تحت قيادة الأمير عبد الحق المريني (592-614هـ/1196-1217م) واستطاعوا السيطرة على معظم بوادي المغرب الأقصى ، إلا أن الزحف المريني توقف فترة من الزمن بعد مقتل الأمير محمد بن عبد الحق سنة 642هـ/1245م على أيدي الموحدين ، فقام خليفته الأمير أبو بكر بن عبد الحق (642-656هـ/1245-1258م) بالعمل على تقوية الجبهة الداخلية وإعادة النظر في سياستها الخارجية، فهادن الموحدين ودعا للحفصيين في تونس ، وتمكن خلال عهده من انتزاع مكناسة وفاس وسلا ورباط الفتح ودرعة وسجلماسة وسائر بلاد القبلة ، مما اضطر الموحدون إلى دفع الجزية لبني مرين .

واستطاع السلطان يعقوب بن عبد الحق (656-685هـ/1258-1286م) انتزاع مراكش من أيدي الموحدين سنة 668هـ/1269م ، وأتبع ذلك بإخضاع بلاد السوس وبلاد درعة ، وهزيمة بني زيان في معركة وادي إيسلي قرب وجده سنة 672هـ/1273م ، وسيطر على طنجة وسبتة وسجلماسة .

بعد ذلك اتجه المرينيون للدفاع عن مملكة غرناطة ضد الممالك النصرانية الإسبانية، فعبر السلطان يعقوب بن عبد الحق أربع مرات إلى الأندلس خاض خلالها حروباً شرسة ضد الإسبان ، وحقق انتصارات كبيرة وأجبرهم على الإذعان للسلم والرضوخ للشروط المرينية ، إلا أن ذلك لم يلق الصدى المطلوب من جانب الملك الغرناطي محمد الفقيه (671-701هـ/1272-1301م) ، الذي خشي أن يسيطر المرينيون على بلاده ، وخاصة حين تحالف المرينيون مع بني أشقيلولة ، فقام محمد الفقيه بالاستيلاء على مدينة مالقة والتحالف مع بيدرو الثالث ملك أراغون (1276-1283م) وبني زيان ضد بني مرين .

حرص السلطان يوسف بن يعقوب (685-706هـ/1286-1306م) على مواصلة قتال الممالك النصرانية ، وتحسين العلاقات مع غرناطة فتنازل لها عن جميع القواعد المرينية الفرعية في الأندلس ورَحَّل بني اشقيلولة إلى المغرب سنة 687هـ/1288م ، ولكن ذلك لم يلغ نزعة الريبة لدى الغرناطيين ، إذ قام محمد الفقيه ملك غرناطة بالتحالف مع سانشو ملك قشتالة، فسيطر الأخير على مدينة طريف سنة 691هـ/1292م ، وقام الغرناطيون من جانبهم باحتلال مدينة سبتة المغربية سنة 705هـ/1305م .

وقد أدت هذه الخلافات المرينية الغرناطية إلى استيلاء النصارى على جبل الفتح (جبل طارق) سنة 609هـ/1309م ، وتبع ذلك إبرام صلح بين فاس وغرناطة من جهة وقشتالة وأراجون من جهة أخرى ، ولكن الجبل ما لبث أن تحرر سنة 733هـ/1333م على يد الأمير أبي مالك بن السلطان أبي الحسن المريني (731-749هـ/1331-1348م) الذي قاد أبوه سنة 741هـ/1340م معركة طريف ضد الممالك النصرانية الإسبانية ، بيد أنه مني بهزيمة مما اضطره لعقد صلح طويل الأمد مع الممالك النصرانية .

ساد الهدوء والسلم أجواء العلاقات المرينية الغرناطية ، والمرينية النصرانية خلال عهد السلطان أبي عنان فارس المريني (749-759هـ/1348-1358م) ، ولم ينغص على هذه العلاقات سوى لجوء الأمير أبو الفضل محمد بن أبي الحسن المريني إلى قشتالة بعد أن كان لدى بني الأحمر في غرناطة ، إلا أن ذلك لم يمنع من تبادل السفارات بين كافة الأطراف .

خلال فترة نفوذ الوزراء في الدولة المرينية (759-869هـ/1358-1465م) استبد الوزراء والحجاب بشؤون الدولة ، وأصبح كثير من السلاطين نتيجة لصغر سنهم ألعوبة بأيدي الوزراء ، وأصبحت سياسة الدولة المرينية الخارجية تميل باتجاه علاقات البلاط ودسائس القصور ، فبرزت ظاهرة اللجوء السياسي وأصبحت غرناطة قاعدة لانطلاق المطالبين بالعرش المريني ، كما حدث مع السلطان أبي سالم إبراهيم في دولته الأولى (760-762هـ/1359-1361م) ، وعندما خلع الملك الغرناطي الغني بالله محمد سنة 760هـ/1359م لجأ إلى فاس ومعه وزيره لسان الدين بن الخطيب (ت 776هـ/1374م) .

ساءت العلاقات مع غرناطة خلال عهد السلطان عبد العزيز بن أبي الحسن (767-774هـ/1365-1372م) وذلك بسبب مطالبة غرناطة بتسليمها الغني بالله ووزيره ، وعلى خلفية ذلك قام بنو الأحمر بالتدخل في الشؤون الداخلية للمغرب من خلال تنصيبهم السلاطين هناك ، ومثال على ذلك تنصيب السلطان أبي العباس أحمد بن أبي سالم في دولته الأولى (776-786هـ/1374-1384م) .

أما فيما يتعلق بسياسة الدولة المرينية تجاه الممالك النصرانية ، فقد تراوحت هذه السياسة ما بين عقد اتفاقات سياسية وتجارية بين الطرفين ، كتلك التي حدثت سنة 768هـ/1367م مع الأراجونيين ، وما بين سياسة علاقات البلاط والتدخل في الشؤون الداخلية من جهة أخرى .

وقد تركز التدخل القشتالي والأراجوني في شؤون الدولة المرينية في التآمر الدائم مع الثائرين من أبناء البيت المريني ، بهدف مساعدتهم على تولي السلطة في المغرب كما حدث عندما ساعدت قشتالة الأمير أبي سالم إبراهيم بن أبي الحسن سنة 760هـ/1359م على اعتلاء سدة الحكم في المغرب ، وفي الوقت نفسه استمرت الممالك النصرانية بما فيها البرتغال بسياستها العدوانية تجاه الأندلس والمغرب على حد سواء .

أخيراً فقد استفاد المرينيون من جو الاستقرار الداخلي الذي ساد دولتهم ، لتطوير وضعهم الاقتصادي ، فازدهر على اختلاف صعده تجارياً وصناعياً وزراعياً ، وتمكنت الدولة المرينية أن تترك بصمات حضارية ما زالت ماثلة للعيان حتى وقتنا هذا ، خاصة في النواحي المعمارية والثقافية والدينية والعلمية ، بدعم من سلاطينهم الذين لم يقيموا دولتهم على أساس فكريِ أو سياسيِ أو ديني خاص ، مما أعطى هامشاً كبيراً للإبداع والتطور الفكري والحضاري على مختلف الصعد ، فبنى المرينيون المدن الجديدة كفاس الجديد وتطاوين والمنصورة والقاهرة والبنية وغيرها ، واهتموا ببناء المدارس والمساجد والأربطة والمؤسسات الوقفية المختلفة .

وأبدع المرينيون في استحداث النظم الإدارية والعسكرية ، فأصبحت لديهم دولة قوية فرضت نفسها سياسياً وعسكرياً في منطقة حوض البحر الأبيض المتوسط ، إلا أنها ما لبثت أن انهارت سنة 869هـ/1465م تحت وطأة الخلافات الداخلية التي تمحورت حول التنافس على تولي السلطة في بلاد المغرب الأقص

النص الكامل

الأندلس في عصر الولاة91هـ- 138هـ/711م – 756م

الملخص

تناول هذا البحث بالدراسة والتحليل فترة هامّة من فترات التاريخ الإسلامي، عرفت باسم "عصر الولاة في الأندلس“، وقد جاءت الدراسة في أربعة أقسام أوجز مضمونها على النحو التالي:

ركز الفصل الأول على التعريف بعصر الولاة، وهو العصر الأول من عصور الحكم الإسلامي في الأندلس، متمثلا في الفترة التي تمتد بين اجتياز العرب البحر إلى الأندلس إلى أن تمكن عبد الرحمن الداخل من دخول الأندلس مؤسساً بذلك حقبة جديدة، ويمتد في الفترة الواقعة بين سنتي 92 - 138 هـ، وقد عرف بهذا الاسم لأن الحاكم فيه كان يسمى والياً, وكان يعيّن من قبل حاكم إفريقية، أو من قبل الخليفة الأموي في دمشق، وقد بلغ عدد الولاة في تلك الفترة اثنين وعشرين والياً، وقد استعرض الباحث في هذا الفصل ما تخلل تلك الفترة من أنشطة عسكرية وفتوحات، إلى جانب بعض الأعمال التنظيمية البسيطة كاختيار عبد العزيز بن موسى (ت 97هـ/ 715م) لمدينة إشبيلية عاصمة للبلاد, ومن ثم نقلها إلى قرطبة، وما شهدته تلك الفترة من تخميس ونحوه.

عالج الباحث في الفصل الثاني التنظيم الإداري للبلاد، الذي أصبح أساسا لكل تنظيم إداري لاحق, وما كان من نشاط جهادي وراء جبال البرانس لتأمين حدود الأندلس. كما تناول هذا الفصل ظهور المقاومة الإسبانية في الأندلس مستغلة ما اعترى البلاد من فوضى واضطرابات، جراء الصراعات العرقية والإقليمية والقبلية التي نشبت في غير مكان واحد وغير زمان، مما أدى إلى توقف الفتوحات الإسلامية؛ بسبب اشتغال المسلمين بالتصدي للمقاومة، والصراعات الداخلية، فضلاً عن بعد الإقليم عن الإدارة المركزية في دمشق، مما أدى إلى انفراد بعض الولاة بالرأي، وضعف الانتماء للدولة.

وفي الفصل الثالث تناول الباحث ما تفشّى في ذلك العصر من الخلافات والاضطرابات بين عناصر المجتمع المختلفة من عرب وبربر ومولدين ومستعربين ويهود وغيرهم، إلى جانب ما كان بين العرب أنفسهم على خلفيات إقليمية وقبلية، كالخلاف بين القيسية واليمنية، وبين البلديين والشاميين، مما أدى إلى استفحال الفوضى، وأسهم في دخول عبد الرحمن الداخل للأندلس مؤسسا لعهدٍ جديد.

أما الفصل الرابع فقد خصصه الباحث للعناصر التي تألف منها النسيج الاجتماعي، ودور كل منها في صياغة تاريخ الأندلس، إلى جانب تأثُّرها بالأحداث التي عمّت البلاد. كما تضمّن هذا الفصل استعراضا لما شهدته تلك الفترة من أنشطة اقتصادية محدودة, وعمرانية كادت تقتصر على المنشآت الحربية دون غيرها؛ استجابة لمتطلبات المرحلة, وتعليمية تكاد تكون معدومة.

النص الكامل